الترجمة تفتح لنا أبوابًا لا حصر لها على عوالم المعرفة؛ يومًا نقرأ عن الطهي، ويومًا آخر عن الهندسة أو القانون. لكن وسط هذا التنوع تظهر نصيحة تتكرر كثيرًا: «يجب أن تتخصص». فهل التخصص هو الطريق الوحيد للاحتراف، أم أن للمترجم العام مساحة مشروعة إذا أحسن إدارة فضوله؟ في هذا المقال أشارك تجربة شخصية بين متعة التنقل وثمن الثقة الزائدة، ثم أصل إلى فكرة بسيطة: التوازن بين عمق تخصصٍ أساسي ونافذةٍ آمنة للتنوع.
لطالما كانت الترجمة بالنسبة إليَّ أكثر من مهنة؛ كانت نافذةً أطلُّ منها على مكتبات العالم كلِّها. أتعلم كل يوم شيئًا جديدًا، وأتنقَّل بين حقول معرفة لا تنتهي. غير أنني كلما عبَّرت عن هذا الشغف، سمعت النصيحة ذاتها تتكرر: «لا بد أن تتخصَّص».
فهل التخصُّص شرطٌ للاحتراف؟ أم أن حبَّ التنوع ميزة يمكن إدارتها بذكاء؟
أعترف: الفضول هو السبب الأول الذي جذبني إلى عالم الترجمة. ففي يومٍ أترجم مقالًا عن الطبخ الإيطالي وتقنيات إعداد المعكرونة المنزلية، وفي اليوم التالي أجدني منغمسًا في قراءة عن هندسة البترول واستخلاص النفط من الآبار العميقة. هذا التنوع يمنحني متعة معرفية لا تُضاهى، ويجعلني أشعر بأنني جسرٌ يصل بين عوالم متباعدة.
يقولون إن «المترجم العام يعرف شيئًا عن كل شيء، ولا يتقن شيئًا واحدًا». وقد يصحُّ ذلك أحيانًا حين يتحول الفضول إلى اندفاعٍ غير محسوب. غير أن الفضول في ذاته ليس عيبًا؛ العيب الحقيقي أن نخلط بين القدرة على المحاولة والقدرة على التسليم بجودة احترافية.
لكل مغامرة ثمنها، وللمترجم العام لحظةُ صحوةٍ قد تكون قاسية: تلك اللحظة التي يدرك فيها — بعد فوات الأوان — أنه قبل نصًا لا يملك له الخلفية المعرفية الكافية.
مررتُ بهذه التجربة عندما قبلت مشروعًا هندسيًا معقدًا عن تصميم الدوائر الإلكترونية. ظننت أن «مهارات البحث» ستكفيني، لكنني اكتشفت سريعًا أن البحث لا يعوِّض الفهم. كانت النتيجة مرهقة: وقتٌ مضاعف، ومصطلحاتٌ تحتاج إدراكًا دقيقًا للسياق، وترجمةٌ تتجه نحو التخمين بدل اليقين. عندها تعلَّمت درسًا واضحًا:
الدرس المستفاد:
قول «لا» ليس علامة ضعف، بل علامة احتراف. وإحالة العميل إلى زميلٍ متخصص خيرٌ من تسليم عملٍ يسيء إلى جودة أدائك وسمعتك المهنية.
مع مرور السنوات، تحولت نصيحة «تخصَّص» من مجرد إزعاج إلى منطق عملي. أدركت أن التخصص ليس وسيلة جيدة لزيادة العائد المادي فحسب، بل هو أيضًا منطقة راحة ذهنية: تقل فيها الأخطاء، وتزداد السرعة، وتصبح الجودة نتيجة طبيعية لتراكم الخبرة.
ولهذا بدأت أميل تدريجيًا إلى الترجمة القانونية؛ ليس لأنها مطلوبة فحسب، بل لأنني سئمت شعور «البداية من الصفر» مع كل ملف. حين أتعامل مع عقدٍ مثلًا، ألتقط المصطلحات بسرعة، وأفهم البنية العامة للوثيقة، وأدرك الفروق الدقيقة بين الخيارات المختلفة في الصياغة. وهذه الخبرة المتراكمة تصنع فرقًا حقيقيًا في جودة العمل والوقت المبذول.
بعد سنوات من التجربة، أرى أن الحل لا يكمن في الاختيار بين «عام» و«متخصص» بوصفهما طريقين متعارضين، بل في مزيجٍ ذكي:
في النهاية، الترجمة خدمةٌ تتطلب مسؤولية ومعرفة، والعملاء يبحثون عن الخبير لا عن الشخص الذي «يمكنه المحاولة». أمّا الفضول، فلا ينبغي إطفاؤه، بل ينبغي إدارته: بوعيٍ وحدودٍ وخيارات تحمي جودة عملك واسمك المهني.
لا تتردد في التواصل معنا عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني للحصول على خدمات الترجمة المعتمدة التي تحتاجها. نحن هنا لخدمتك وضمان تقديم أعلى مستويات الجودة في الترجمة.
تواصل معنا إذا كنت تبحث عن ترجمة معتمدة أو مكتب ترجمة معتمد في دمنهور.
ابدأ الآن واجعل مستنداتك جاهزة للاستخدام الرسمي في أي مكان حول العالم!
WhatsApp us - راسلنا عبر واتساب
